أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

195

عجائب المقدور في نوائب تيمور

على رسغه كف السلامة ، فنكصت النصارى على عقبهم أمامه ، ولم يزل وحده مبيدهم ، حتى قتل أوباشهم وصناديدهم ، ثم ادخل رفقته فيها وأخرجوا ما كان في مخابئها ، واسم هذا الرجل لهراسب ، ستة أحرف ليس فيها غير متحركين اللام مضمومة والهاء ، والراء مفتوحة ، والألف والسين والباء ، واجتماع ثلاث سواكن في الفارسي كثير ، وفي التركي أيضا موجود ولكنه عزيز غير غزير . ومن جملة هذه القلاع قلعة شاهقة ، حروف ذاتها كحروف اسمها ، بمناعتها ناطقة ، لا يعمل في فتحها لارتفاعها العل وليت ، لأن اسمها كما زعموا كل كورتين ، أي تعال انظر وارجع بمعنى أنه لا ينال الوافد عليها ، سوى النظر إليها ، ثلاثة أطرافها مبنية على قلل آكام شمخت على ما حواليها من الهضاب ، فهي على الأعلام أعلام ، وطريقها من الوجه الرابع - هو دقيق في سلوكه عسر - ينتهي بعد أنواع المشقة إلى جرف مقطوع ، بينه وبين باب ذلك الحصن جسر ، إذا ارتفع ذلك الجسر سدت دون الوصول إلى الحصن الحيل ، وأعاذ كل من لاذ بقلته من بنيه ، فصح أن يقال له معاذ بن جبل ، فلما اطلع على حقيقة أمرها وانكشف له مستور خبرها ، أبى أن يرحل عنها ، إلا أن يصل إلى غرضه منها ، ولم يكن بالقرب منها مكان ينزل فيه ، ولا بر يحمل ذلك البحر الطاغي ويحويه ، بل إنما كان حواليها جروف وهضاب ، غضون جبينها كأنها وجه عجوز شوهاء ناشز عن زوج محب عقاب في عقاب ، فطمع منها في غير مطمع ، ونصب سرادقه بحيث كان منها بمرأى ومسمع ، وصار من عساكره الأسود الحوادر ، يتناوبون حصارها ما بين وارد وصادر ، وهم يرفعون الجسر بالنهار ، فيأمنون مكائد القتال والحصار ، لأنه قد تقدم أنه لم يكن حواليها مكان للقتال ، ولا مفحص قطاة يتمكن فيه النضال ، فكانوا يرمونها بالنهار على بعد بسهام الأحداق ، ويرضون منها بنظرة من بعيد كقانع العشاق ، فإذا أجنهم الليل ، شمروا إلى جهة